القرطبي
19
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
والرسوخ : الثبوت في الشئ ، وكل ثابت راسخ . وأصله في الأجرام أن يرسخ الجبل والشجر في الأرض ، قال الشاعر : لقد رسخت في الصدر مني مودة * لليلى أبت آياتها أن تغيرا ورسخ الايمان في قلب فلان يرسخ رسوخا . وحكى بعضهم : رسخ الغدير : نضب ماؤه ، حكاه ابن فارس فهو من الأضداد . ورسخ ورضخ ورصن ورسب كله ثبت فيه . وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الراسخين في العلم فقال : " هو من برت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه " . فإن قيل : كيف كان في القرآن متشابه والله يقول : " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم " ( 1 ) فكيف لم يجعله كله واضحا ؟ قيل له : الحكمة في ذلك - والله أعلم - أن يظهر فضل العلماء ، لأنه لو كان كله واضحا لم يظهر فضل بعضهم على بعض . وهكذا يفعل من يصنف تصنيفا يجعل بعضه واضحا وبعضه مشكلا ، ويترك للجثوة ( 2 ) موضعا ، لان ما هان وجوده قل بهاؤه . والله أعلم . التاسعة - قوله تعالى : ( كل من عند ربنا ) فيه ضمير عائد على كتاب الله تعالى محكمه ومتشابهه ، والتقدير : كله من عند ربنا . وحذف الضمير لدلالة " كل " عليه ، إذ هي لفظة تقتضي الإضافة . ثم قال : ( وما يذكر إلا أولو الألباب ) أي ما يقول هذا ويؤمن ويقف حيث وقف ويدع اتباع المتشابه إلا ذو لب ، وهو العقل . ولب كل شئ خالصه ، فلذلك قيل للعقل لب . و " أولو " جمع ذو . قوله تعالى : ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ( 8 ) فيه مسألتان : الأولى - قوله تعالى : ( ربنا لا تزغ قلوبنا ) في الكلام حذف تقديره يقولون . وهذا حكاية عن الراسخين . ويجوز أن يكون المعنى قل يا محمد ، ويقال : إزاغة القلب فساد
--> ( 1 ) راجع ج 10 ص 108 . ( 2 ) كذا وردت هذه الكلمة في أكثر الأصول ، وفى بعضها وردت بهذا الوميم ؟ من غير إعجام ، ومعناها : الجماعة .